|
كتبتُ هذين المقالين سنة 1994م أي قبل زهاءِ خمسةَ عشرَ عاماً، وما يزالانِ يُعَبِّرانِ في جوهرهما واأسفاه عن الواقع العربيّ والإسلاميّ المتردّي، وكأننا نزدادُ على الزمن فساداً لا صلاحاً، ونتقهقرُ ولا نتقدمُ إلى أمام. ونَشْرُ هذين المقالين الآنَ هو تجديدٌ لتلك الصيحة في وجهِ الواقعِ الأليمِ المخزي، ودعوةٌ لم تنقطع إلى تجاوزه على كل صعيد
-1-
ما أبعدَ الْبَوْنَ بينَ الإسلامِ وبينَ المسلمين.. يكادُ المسلمون في واقعهم يكونون نقيضَ الإسلام في مختلفِ مجالاتِ الحياة لقد ابتعدَ المسلمونَ عن روحِ الإسلام، وابتعدوا عن تعاليمهِ الواضحةِ القاطعةِ -أحياناً كثيرةً- فِعْلاً وَتَرْكا إنّني لأَجْلِسُ للكتابة هذه الساعةَ من الليل ونفسي مثقلةٌ بأحزانها وهمومها، تجثِمُ عليها حوادثُ اليمنِ الدامية، واقتتالُ المسلمينَ هناك، وتفانيهم فيما بينهم، و(الأَسى يبعثُ الأسى) كما يقولُ مُتَمِّمُ بنُ نُوَيْرَةَ، فأتذكَّرُ اقتتالَ المسلمينَ في أفغانستان، وأتذكرُ ما سبقَ من اقتتالِهم ودمارِ أَواصِرِهم وقوتهم وديارِهم، في الخليج والعراق وإيران وغيرها من المواقع.. وأنّهم ما يزالُ شيطانُ الغَيِّ يركبهم ويسوقهم إلى كوارثَ جديدةٍ تلوحُ نُذُرُها في الأفُق أتذكّرُ هذا، وأتذكر -وبيننا وبين عيد الأضحى المبارك أيام(1)- ما كان أوصى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمتَه، على امتداد المكان والزمان، في خطبته المشهورة يوم النحر، قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَام قَال: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَام قَال: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَام قَال: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ)(2)، فَأَعَادَهَا مِرَاراً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟.. فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض»(3) ورجع المسلمون بعدَه صلى الله عليه وسلم كفّاراً -أي عُصاةً- يضربُ بعضُهم رقابَ بعض، كما رأينا، وكما لا نزال نرى.. أَصَمُّوا أسماعَهم عن وصيّته، وتولّوْا عنه وعن هديه؛ بل لقد عملوا بنقيض ما أمرهم به، واستباح بعضُهم دماءَ بعض وأموالَهم وأعراضَهم، فصاروا إلى ما هم عليه الآن من التدابرِ والتناحرِ، والفرقةِ والشتاتِ، والضعفِ والهوانِ، والبلاءِ والشقاء لقد ابتعد المسلمونَ حَقّاً عن الإسلام وروح الإسلام وتعاليم الإسلام وأخلاق الإسلام، وأصبح أمراً عاديّاً طبيعيّاً أن يشتم المسلم المسلم، وأن يقاتل المسلم المسلم، وأن (يَتَمرْجَلَ) المسلم على المسلم، لأنه -إلاّ من رحم الله- أذلُّ من أن يرفع رأسَه على غيرِ أخيه من أعداءِ دينه وأمته وبلاده.. رغم ما بيّنه وأعلنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وتناقلته عنه الأجيالُ بعدَ الأجيال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْر»(4) «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا»(5) لقد غدا البلدُ المسلمُ يخافُ على نفسه من البلدِ المسلم الآخر ما لا يخافُ من أعدى الأعداءِ وأكفرِ الكفار، وغدا الفردُ المسلمُ يخاف على نفسه في البلد المسلم ما لا يخافُ في أيِّ مكانٍ آخرَ من الأرض وانظروا إلى ملايينِ المسلمين، وملايين المسلمين، وملايين المسلمين، الذين شرّدهم عن أرضهم الخوفُ والظلمُ والطغيانُ، يهيمون على وجوههم خارجَ العالم الإسلاميّ، ينشدون لأنفسهم في الغرب وسواه شيئاً من الأمن والحرية والكرامة والرزق، فيجدون من ذلك -رغمَ الاضطهادِ أحياناً، ورغمَ المصاعبِ والظروف- ما لا يجدونه في دارِ الإسلام!! المسلمُ -فرداً أو بلداً- لا يَسْلَمُ في العالم الإسلاميّ من غيره من المسلمين؟! والمؤمنُ لا يأمنُ على دمهِ ومالِه؟! أينَ هذا الواقعُ الفاجرُ الفاسدُ الآثمُ من الإسلامِ وتعاليمِ الإسلامِ، والرسولُ صلى الله عليه وسلم يُعرِّفُ المسلمَ فيقول: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه»(6) ويعرّفُ المؤمنَ فيقول: «وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»(7) إنّ قلبي -عَلِمَ اللهُ- يَدْمَى، وأنا أرى طغاةَ بلادِنا الإسلاميّةِ يسعدونَ ويتفاخرون بعدَدِ من قتلوه من أبناءِ بلادهم، ويَدْمَى ويَخْزَى كلَّما سمع أو قرأ البلاغاتِ الأمنية والعسكرية في الحروب الأهلية الإسلاميّة، أو في الحرب بين دولتين إسلاميتين.. إنّهم يسعدون ويتفاخرون بقتل الألوف ومئات الألوف من الأبرياء، وبمقدار ما يُنْزِلون بالبلاد والعباد من الدمار الماديّ والمعنوي، دونما شعورٍ بخجل أو إثم أو خوفٍ من الله عزَّ وجلّ لقد قُتِلَ وجُرِحَ في السنوات الأخيرة وحدَها من المسلمينَ على أيدي المسلمين!! ما يُحسب بالملايين، ودُمِّرَ من المكتَسباتِ والمنشآتِ والثرواتِ ما يستعصي على الحصر، وفقدَ المسلمون على أيدي بعضِهم البعض وحدَتهم وسيادَتهم وكرامتَهم، وارتكسوا في ذيل الركب البشري.. فهل هؤلاء الطغاةُ البغاةُ -مهما اختلفت مواقعُهم وأسماؤُهم- مسلمونَ صادقون؟! هل هم بشرٌ لهم مشاعرُ البشر، وضميرُ البشر؟! أكادُ أقولُ من التأثر: لا والله، لا والله وكيفَ ينتشي هؤلاءِ ويتفاخرون -إن كانوا مسلمينَ صادقين- بالقتلِ والدمار، ولا يشعرون بالخجلِ والعارِ والإثمِ والخوفِ من الله عزَّ وجلَّ، واللهُ يقولُ في كتابه العزيز: {..مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً..} [المائدة: 32] ويقول: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93] إنّ واقع المسلمين والعالم الإسلاميّ الآن بعيدٌ كلَّ البعدِ من الإسلام.. إنّه واقعٌ سيءٌّ لا يرضاه الله، ولا ترضاه إنسانيةُ الإنسانِ وكرامتُه، ولا يُقبل بأيِّ مقياسٍ سليم من مقاييسِ السماءِ والأرض إنّنا نرفضُ هذا الواقعَ الفظيع.. نرفضُ اقتتالَ المسلمين وتفانيهم فيما بينهم، والتضحيةَ المستمرّةَ بهم، شُعوباً وبلاداً، على مذابحِ الأنانيّاتِ والمطامعِ والمصالحِ الفرديةِ والأسريةِ والعشائريةِ والطائفية، ومذابحِ المصالحِ والمخطّطاتِ الأجنبيةِ التي تستعبدُنا وتسخّرُنا وتتحكّمُ فينا، وتلعبُ بنا وبحاضرِنا ومستقبلِنا كما تريد وندعو علماءَ العالمِ الإسلاميِّ ومثقّفيه ومفكّريه وكلَّ من يشعرُ بمسؤوليتهِ الدينيةِ أو الإنسانيةِ أو الوطنيةِ، إلى التجرّد لله عزَّ وجلَّ، والوقوفِ معاً تفكيراً وعملاً، لإنقاذ العالمِ الإسلاميّ من مِحنه، ووضعِ حدٍّ للاقتتالِ والانقسامِ والتجزئة، وإحباطِ مخطّطاتِ الأعداءِ التي يتحقّق كثيرٌ منها على أيدينا لجهلنا وقصورِ نظرِنا وإدراكِنا أحياناً، أو لضعفِ نفوسِنا وإرادِتنا أحياناً أخرى أمامَ المخاوفِ والشدائدِ والأهواءِ والمغريات.
-2-
لا بدَّ أن نعرفَ واقعَ العربِ والمسلمينَ الآن، وظواهرَ اقتتالِهم وانقسامِهم، وغيرِ ذلك من أمورهم وأحوالهم، بأسبابِه الجغرافيةِ والتاريخيةِ.. الدينيةِ والمذهبية.. الوطنيةِ والقومية.. الجنسيةِ والقَبَلِيّة.. النفسيةِ والاجتماعية.. الاقتصاديةِ والسياسية.. الجوهريةِ والعرضية.. الداخليةِ والخارجية.. القديمةِ والحديثة.. وغيرِ ذلك وغيرهِ، مما يساعدُ على فهم علميّ منهجيّ أعمقَ وأشملَ وأصوب، ويضعُ في أيدينا ما هو أكثرُ وأنسبُ وأنجعُ من مفاتيحِ العلاجِ والإصلاحِ والتغيير ولكننا نطلبُ الأهليّةَ والأمانةَ في البحث والتشخيص واستخلاص النتائج، ونحَذِّرُ من معرفةٍ مغشوشةٍ مضلّلة، تنقصُها الكفاءةُ أو الأمانة، وتُخْضِعُ الحقائقَ والمناهجَ والنتائجَ للإيديولوجياتِ والأهواءِ، والمآربِ المتّهمةِ أو الخبيثةِ أحيانا.. فما أكثرَ الذين يَجْهَدون من أعداءِ العربِ والمسلمين، أو أصحابِ المطامعِ في ثرواتهِم وأرضهِم، في تزويرِ تاريخهم، وانتقاصِ دينهِم، وتصغيرِ ما يجمعهم، وتكبيرِ أو افتراءِ ما يُفَرّقُهم، ويُزْكي بينهم نيرانَ الخلافِ والانقسامِ والخصام.. ونرفضُ -وهذا أمرٌ هامٌّ جدّاً- أن تكونَ هذه المعرفةُ -مهما كانت- معرفةً تبريريةً، تُفَسِّرُ الواقعَ وتُبرّرُه في ذاتِ الوقت، كأنه حتمٌ لا بُدَّ منه، ولا مناصَ من قبوله كما هو، وتنفثُ باسم العلم والفكر اليأسَ من تجاوزهِ والخلاصِ منه.. لمدى أجيالٍ وأجيالٍ على الأقل، وتَنْصُرُ بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، مكشوفٍ أو مستور، التجزئةَ على الوحدة، و(القُطْريَّ) على العربيّ والإسلاميّ، لمقاصدَ تتباين، ولكنها تَصُبُّ واقعيّاً -سواء أرادَ بعضُ أصحابِها أم لم يريدوا- في مصلحة الجهاتِ الحاكمة، والطبقاتِ المنتفعةِ من التجزئة، والقوى الصهيونيةِ والإمبرياليةِ الإقليميةِ والعالمية، التي لا يخدم مخططاتِها ومصالحِهَا غيرَ المشروعة شيءٌ كتجزئةِ العالم العربيّ والإسلاميّ، وإثارةِ الخلافاتِ والصراعاتِ بين دُوَلِهِ وأقطاره، وشعوبِه أيضاً إن أمكن ويجبُ ألاّ ننسى أبداً، وأن نستحضرَ في نفوسنا على الدوام، ما كان يفتكُ بالعرب قبلَ الإسلام من الفرقة والعصبية والعداوة والاقتتال المستمرّ لأتفه الأسباب.. مما هو شرٌّ مما نحن عليه الآن بما لا يقاس ومع ذلك فقد استطاع الإسلامُ -عندما جاءهم الإسلام- أن يُوَحِّدهم وما عرفوا من قَبْلُ الوحدة، وأن يتجاوز بهم الفرقةَ والعصبيةَ والعداوةَ والاقتتال.. ويوجّه قلوبَهم وعقولَهم وجهودَهم لهداية البشر وتحريرِهم، وبناءِ حياةٍ جديدة، وحضارةٍ جديدة، نَعِمَ في ظلالها الناسُ أحقاباً، وما تزال مصدرَ فخارِنا حتى الآن.. لقد استطاعَ الإسلامُ ذلك بالإيمانِ العظيم، والهدفِ العظيم، والرسالةِ العظيمة التي لَبَّتْ حاجاتِ العربِ وأشواقَهم، وحاجاتِ الإنسانيةِ وأشواقَها على كل صعيد.. لقد استطاعَ الإسلامُ ذلك في الماضي، وهو يستطيعُ ذلك في الحاضر، لو أننا رجعنا بصدق وإخلاص إلى الإسلام، ورجع لنا إيمانُنا العظيم، وهدفُنا العظيم، ورسالتُنا العظيمة كرّة أخرى ولكنَّ الصليبيةَ لا تريد ولكنَّ الصهيونيةَ لا تريد ولا يريد ذلك الاستعمارُ القديم والجديد.. لا يريدون أن نخرجَ من أزمتنا، وأن نتخلّصَ من فُرقتِنا وعداوتِنا، وصراعاتِنا المهلكة فيما بيننا لا يريدون أن نجد وحدتَنا وأخوَّتنا، وذاتنا وهويتنا، ورسالتنا الإنسانية، ودورنا العالمي الكبير لا يريدون أن نتحرر من قيودِ هيمنتهم المطلقة، واستغلالِهم البشعِ على كلّ صعيد.. لا في الحاضر، ولا في المستقبل وإذا كان هذا الموقف الظالم الآثم مفهوماً من الصليبية والصهيونية والاستعمار.. فكيف نفهمُه أو نقبلُه من بعض العرب والمسلمين الذين يدّعون الحرصَ على وحدةِ العربِ، واستقلالِ العرب، ودورِهم الخاصّ في العالم؟!! وأمرٌ آخر، وسؤالٌ آخر، نطرحُه ليتأمّله ويفكرّ في جوابه القراء: تُرى لو كان يقومُ في العالم العربيّ والإسلاميّ حكمٌ شوريٌّ حقيقيٌّ سليم، بَدَلَ هذه الأنماطِ العجيبةِ الرديئةِ من الحكم الدكتاتوريّ: الفرديّ أو الحزبيّ أو العسكريّ أو الطائفيّ أو العشائريّ.. إلخ هل كان يقعُ فيه ما نراه الآن من الفرقة والعداوة والصراع الأعمى والاقتتال المهلك.. أم تجدُ دولُنا وشعوبُنا روابطَها الوثيقةَ، ومصالحَها المشتركة، وتعاونَها المثمر، وتنشئُ آليةً سليمةً موضوعيةً لحلّ ما قد يَشْجُرُ بينها من خلاف؟! إن لم تصل أيضاً في زمن معقول إلى وحدةٍ مناسبةٍ بشكلٍ مُناسب إنّ الحكمَ الدكتاتوريَّ بمختلفِ صُوَرِهِ التي نَراها في بلادنا، وبما نتجَ عنه وبما ينتج.. ليس مخالفةً صارخةً للإسلامِ فحسب؛ ولكنه أيضاً خيانةٌ صارخةٌ للعرب والمسلمين
(1) عندما كُتب المقال. (2) هذه الزيادة من حديث أبي بكرة في صحيح البخاري (3) رواه البخاري عن ابن عباس (4) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود (5) رواه البخاري عن عبد الله بن عمر (6) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر (7) أخرجه الترمذي والنسائي
|