|
كُتِبَ هذا المقال قبلَ ستّةَ عَشَرَ عاماً، ولكنه ما يزال يساعد على معرفة أعمق وأفضل بمشكلات الحوار بين العرب والمسلمين وبين الغرب، ويعين على خطوات حقيقيةٍ أصرح وأصوب وأرسخ في هذا السبيل
سمعتُ في التلفزيونِ الفرنسيّ فقراتٍ من خطاب الرئيس: فرانسوا ميتران في مؤتمر الدول الفرنكوفونية الذي انعقد هذه السنة في جزيرة موريس. كان مما قاله –حسب ما بقي في ذاكرتي-: «إنه لا يجوز ولا يمكن لأيّة دولة مهما بلغت من القوّة -وهو يقصد بذلك الولايات المتحدة الأمريكية- أن تفرض على غيرها طريقةَ التفكير والتعبير». وقبلَ ذلك وبعدَه سمعت وقرأت مطلبَ الحكومة الفرنسية، والمثقَّفينَ والفنانين الفرنسيّين، باستثناءِ «الثقافة» من اتفاقيات التجارة والتعرفة الجمركية والتبادل الحرّ: «الكات»؛ لأنّ الثقافة -كما يقولون- ليست سِلْعة من السلع التجارية الماديّة، ولأنّ من حقّ فرنسا وأوروبا أن تحميَ شخصيّتَها وخصوصيّتَها الثقافية من الطغيان والغزو الثقافي الأمريكي في السينما والتلفزيون، وغير ذلك من المجالات. ينادون بذلك في فرنسا رغم أنّ الثقافة الأمريكية والفرنسية ليست متباينة ولا متناقضة، فهي ترجع إلى أصول واحدة أو متقاربة في الدين والفلسفة والأخلاق والنظامِ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛ ولكنّهم في ذات الوقت الذي يرفضون به الهيمنةَ الأمريكية، والغزوَ الثقافيّ الأمريكي، يجعلون هَمَّهُم، ويبذلونَ جهدَهم، للهيمنةِ على غيرهِم ممن هو أضعفُ منهم، ويُدَبِّرون ويُدِيرون ألواناً من الغزوِ الثقافيّ ظاهراً أو مستتراً، وقاسياً أو ليّناً، حسبَ ما تسمح به علاقات القوّة والظروف، وهم لا يكتفون من ذلك بفرض طريقة التفكير والتعبير كما تفعلُ –حسبَ الرئيس ميتران- الولاياتُ المتحدة؛ ولكنهم يفرضون مع ذلك -إن استطاعوا- محتَوى التفكير، وأداةَ التعبير ذاتها: أي اللغة. ولقد قرأت من أيّام فقط حديثاً صحفيّاً لرئيس جمهورية جُزُر القمر يقول فيه: «إنّ مشكلة الاحتلال الفرنسي لجزيرة مايوت (إحدى الْجُزُر الرئيسية في البلاد) منذ سنة 1841م حتى اليوم، هي مشكلة عربية وإسلامية بقدر ما هي قمريّة، إذ ألغت فرنسا تعليمَ اللغةِ العربية وفرضتِ الفرنسية في الجزيرة، وحوّلتْ مدارسَ تحفيظِ القرآن إلى دورٍ لحضانة الأطفال..». ومن قَبْلُ فعلتْ فرنسا ذلك في الجزائر أيّامَ استعمارِها الجزائر. حاربتِ العربيةَ والإسلام، وحاولتِ التمكينَ للفرنسية، وللتبشيرِ والتكفير، ولكلِّ ما يُضْعِفُ العربيةَ والإسلام، ويقضي على شخصيةِ البلادِ الحضاريةِ والثقافية. وهذا ما تقومُ به فرنسا الآنَ إذ تقف مع الأقليّة العلمانيّة-الشيوعيّة-الفرنكوفونية الحاكمة في الجزائر ضِدَّ الأكثرية الكبرى من أبناء الشعب، وتدعمُ عمليّاً ونظرياً ما تقوم به هذه الأقليّة الحاكمة الغاصبة الباغية من قمع وقتل واعتقال وتعذيب ودعس لحقوق الإنسان، وتسكت عن تحويل القضاء إلى أداة للقتل المقنّع، والإرهاب الغاشم، ووأْدِ الحقِّ والعدالة، حيثُ يُفْتَرَضُ أن يسودَ الحقُّ والعدالة، ويجدَ الملجأَ والأمنَ والإنصافَ كلُّ مظلوم. كُلُّ ذلك تفعلُه فرنسا مُغْمِضَةً عيونَها عن الحقائق الظاهرة الصارخة، ومُلْجِمَةً ضميرَها عن الحركة والثورة والكلام، ومغالطةً نفسَها وغيرَها في أبسطِ قواعدِ المنطقِ ممّا يستحي من مثلِه الطفلُ الصغير.. كلُّ ذلك تفعله فرنسا للقضاء على العروبة والإسلام في الجزائر، وعلى شخصيّةِ الجزائر وخصوصيتِها الثقافية والحضارية، والتمكينِ للفرنكوفونية والفرنكوفونيين وسائرِ مصالحها الأخرى، وَلَوْ بالظلمِ والعسفِ، والحديدِ والنار، والمشيِ على أشلاءِ الأبرياء. يا لِهذا الغربِ ما أعجبَه! وما أشدَّ تناقضَه! وما أبعدَ الفرقَ بين شعاراتِه المرفوعةِ وممارساتِه الملموسة!. إذا حاولتِ الجزائرُ العربيةُ -مثلاً- المضيَّ في سياسة التعريب، بَدَلَ سياسةِ الْفَرْنَسَةِ التي كان فرضَها الاستعمار، قالوا: ما هذا التعصّب؟! وأين هو التسامح؟!. وإذا حاولتِ الانطلاقَ من شخصيتِها الحضاريةِ والثقافية، وَطَرْحَ مشروعِها الإسلاميّ الحضاريّ الأصيل الجديد..، قالوا: ما هذا التعصب؟! وأين هو التسامح؟!.. كأنَّ التسامحَ عندهم أن تتخلّى البلادُ عن دينِها ولغتِها وشخصيتِها وقِيَمِها وثقافتِها ومنهجها الخاص، وأن تفتحَ لهم قلوبَها وعقولَها وربوعَها يملأونَها بما يحبون، ويستغلونَها كما يحبون، وأن تقفَ منهم كما يقفُ الجنديُّ النظاميُّ في بلدٍ مستعْمَر -بفتح الميم- أمامَ قائدٍ مستعمِر -بكسر الميم، يأخذُ له التحية، وينتظرُ منه الأمر.
التعصب والتسامح!! إنّني لأَخُطُّ هذه الكلماتِ وأربعُ بناتٍ مسلماتٍ صغيراتٍ في فرنسا، أُبْعِدْنَ عن المدرسةِ والعلمِ لأنهنّ وضعنَ على رؤوسهنَّ غطاءً ساتراً للشَّعْر، وإمامُ مسجدٍ تركيّ قد طُرِدَ طرْداً من فرنسا، لأنه تجاوزَ حَدَّهُ كثيراً فتجرّأ فقال ما معناه: نَعَمْ يجبُ عليهنّ تغطيةُ الرأس، لأنه ممّا يأمرُ به الإسلام، وما يأمرُ به اللهُ مُقدَّمٌ على سواه. أخطُّ هذه الكلماتِ الآن وأنا أتذكّرُ أيضاً، والشيءُ بالشيءِ يُذْكَر، قضيةَ البناتِ الصغيراتِ الثلاثة: ليلى وعمرُها خمسةَ عشرَ عاماً، وأختها فاطمة وعمرُها أربعةَ عشرَ عاماً، ورفيقتها سميرة وعمرُها خمسةَ عشرَ عاماً، في مدرسةِ غابرييل هافي في كراي (واز)، عندما دخلنَ المدرسةَ أو الصفَّ وعلى رؤوسهنّ غطاءُ رأسٍ بسيط.. لقد قامت قيامةُ المدرسةِ والمدرسين، وقيامةُ اليسارِ -على امتداد فرنسا- واليمين، وخرجتْ مظاهراتُ اليمينِ المتطرّفِ في أكثرَ من مدينةٍ تَشْجُبُ ما سَمّتْهُ: (أَسْلَمَةَ فَرَنْسا). وتهتفُ مِلءَ الحناجرِ والشوارع: فرنسا للفرنسيين! (La France aux Francais!) فليخرج (التشادور) (مطروداً) (Le tchador dehors) لقد رأوا في غطاءٍ بسيط على رأسِ ثلاثِ بناتٍ صغيراتٍ مَسّاً بكرامتهم الوطنية، وشخصيتهم الثقافية، وما اختاروه لأنفسهم في مدارسهم من العَلمانية، والمبادئِ الجمهورية، التي ترفضُ الرموزَ الدينية -كما يقولون-، وإن أغمضوا العيونَ عن الصليبِ على بعضِ الصدور الكاثوليكية أو البروستانتية، والطواقي الدينية على بعض الرؤوس اليهودية!! ولا يُسْمَحُ لنا بالطبع أن نقول: لِمَ هذا التعصب؟! فهو حقُّهم في كبيرِ الأمورِ وصغيرِ الأمورِ، وصغيرِ صغيرِها الذي لا تكادُ تراه العيون. ولا يُسمح لنا أن نقول أين التسامح؟! فالتسامحُ هو واجبُ الضعفاءِ أمام الأقوياء، وليس واجبَ الأقوياءِ أمامَ الضعفاء، واجبُ الحملِ تجاهَ الذئب، والضحيةِ تجاهَ الجلاّد، والمعتدَى عليه تجاهَ المعتدي.. أَلَيْسَ هذا هو ما يطالِبُ به الغربُ و(المجتمعُ الدولي!!) مسلمي البوسنةَ والهرسِك تجاهَ الكروات والصرب؟!! فإذا قبلوا التنازلَ عن بعضِ الحقّ، ورفضوا التنازلَ عن كلِّ الحقِّ، وعن المستقبل بَلِ الحياةِ ذاتها للأعداء.. ضاقَ بِهِمُ الغربُ و(المجتمعُ الدولي!!) صَدْراً، وثارَ بِهِمْ ناقداً ومُؤَنّباً ومُؤدِّباً، واتهمهم بازدراءٍ واستعلاء.. بعدم التسامح!!. ولا يُسمح لنا أيضاً أن نقول: أين الحريةُ الدينيةُ والفكرية؟! أين حريةُ العقيدة والفكر؟! والتعبيرِ عن العقيدةِ والفكر؟! التي يتغنَّى بها الغربُ أبرعَ غِناء، ويملأ بأناشيدِها أجوازَ الفضاء، ويقفُ في الدفاعِ عنها المواقف، ويضربُ الأمثال؟! أرأيتم بوضوح -أيها الأخوة القراء- هذه الحقيقة العارية البشعة.. هذه الحقيقة المخيفة التي تطل علينا في مختلف المجالات؟. إنّ فرنسا والولايات المتحدة وبعض الجهات الغربية.. إلاّ قليلاً، تَزِنُ بأكثرَ من ميزان، وتقيسُ بأكثر من مِقياس، ولا تلتزمُ كثيراً الحقَّ والعدالةَ والإنصاف، ولا تُحْجِمُ في مصالِحها ومنافعِها ورغائبِها وأهوائها، عن تزويرٍ وتزييفٍ وتناقضٍ وعُدوان؛ ولكننا لا نستطيعُ أن نتكلّم، أو أن نرفعَ صوتَنا بالكلام، فهنالك إرهابٌ فكريّ، وإرهابٌ نفسيّ، يمارسهُ الغربُ كما يُمارس -أو أكثر مما يمارس- الإرهابَ العسكريَّ والسياسيَّ والإعلاميّ والإقتصادي.. والشعاراتُ البرّاقة؟!.. ما أكذبَ هذه الشعاراتِ أحياناً! وما أقدرَ الغربَ بإعلامِه الهائلِ على الخداع بها، وعلى التستُّرِ وراءَها أو تحتَها، لتحقيقِ ما يتناقضُ معها أحياناً، وما لا ينسجِمُ معها بحال في فرنسا مثلاً يرفعونَ هذا الشعارَ الخلاب: حَقُّ التباينِ والاختلاف (Le droit á la différence) المجتمعُ المتعدِّدُ الثقافات (la société multiculturelle) فأينَ هذا الشعارُ الجميلُ من الواقع غيرِ الجميلِ في قضيةِ بنات المدارسِ الصغيراتِ على سبيل المثال، وفي كثيرٍ غيرِها من القضايا؟ وأين ما يدعونَنا إليه من التسامحِ في كُلِّ ساعة، وكُلِّ مجال، بمناسبةٍ وبغيرِ مناسبةٍ في أكثر الأحيان. إنّ الغربَ مغرورٌ جِدّاً، وهو -إلاّ من رحم الله- لا يعرفُ التسامح، ولا يُترجم شعاراته -غالباً- إلى واقعٍ عمليٍ ملموس. الغربُ يرى نفسَه مقياسَ كلِّ شيء، فما يراه حقّاً هو وحدَه الحقّ، وما يراه عَدْلاً هو وحدَه العدل، وما يراه خيراً هو وحدَه الخير، وما يراه جمالاً هو وحدَه الجمال.. ومن لم يُعْجِبْهُ ذلك، أو لم يقبلْه كارهاً أو راضياً، فَلْيَرْحَلْ -إن كان مقيماً في ديار الغرب- بلِ الويلُ له ثمّ الويلُ حيثما كان من الأرض!!.. وهذا موقفٌ ليسَ فيه ذَرَّةٌ من التسامحِ، ولا من الإنصافِ، ولا من سعةِ الأفُق، والتعاطفِ الإنسانيّ، والحرصِ الصادقِ على الفهمِ والتفاهم، واحترامِ التعدّديّةِ الإنسانيةِ والثقافية، واعتبارِها مصدَر خِصب وثراء. وبعدُ؛ فأنا -كاتب هذه السطور- من أكثرِ الناسِ انفتاحاً على العالم والعصر، وحرصاً على تعارف الأمم والشعوب وتفاهمها على دَرْءِ المخاطر الكبيرة المتنوّعة التي تهدّدها، وتحقيقِ الخير المشترك بينها، في عالمٍ تقاربتْ أطرافُه، ونَمَتْ روابطُه، واشْتَجَرَتْ مصالحه، واتحدّت مصائره في كثير من المجالات؛ ولكنّ ذلك كلَّه لا يتحقّقُ بالمخادعةِ ولكنْ بالصدق، ولا بالمداهنةِ ولكنْ بالمصارحة، ولا بالإرهابِ والقهر، ولكنْ بالحرية والحوار الأمين البصير المسؤول. وأنا أومنُ بالمصالح المشتركة بيننا وبين الغرب، وبحاجته إلينا، وحاجتنا إليه، وأريدُ أن يقوم بيننا وبينه، على أساسٍ من العدالة والمساواة، لخيرِه وخيرِنا وخيرِ العالم كلّه، أطيبُ العلاقات؛ ولهذا كانت صراحتي في الخطاب، في هذا المجال، وفي كلِّ مجال.
|